السعودية

مسابقة الشيخ جاسم للقرآن الكريم: منارة عالمية في حفظ كتاب الله وتدبره

مسابقة الشيخ جاسم للقرآن الكريم: منارة عالمية في حفظ كتاب الله وتدبره

في عالم تطغى عليه الماديات وتتنازعه الثقافات، تظل كلمات القرآن الكريم هي الشاغل الأسمى والمنارة الهادية للأمة الإسلامية. ولكن في هذا الإطار تأتي مسابقة الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني للقرآن الكريم التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر تجسيداً حياً للاهتمام بكتاب الله عز وجل حفظاً وتلاوةً وتدبراً. ولذلك ليست المسابقة مجرد حدث تنافسي عابر. بل هي مشروع حضاري متكامل تطور على مدى ثلاثة عقود ليصبح أحد أبرز المسابقات القرآنية على المستوى الدولي. ولذلك تعمل المسابقة منذ انطلاقتها على تحفيز همم الصغار والكبار المواطنين والمقيمين على الارتباط بالقرآن الكريم والإقبال على حفظه وفهم معانيه والتخلق بأخلاقه. يمثل “فرع أول الأوائل” الدولي ذروة هذا البناء التنافسي حيث يجمع أبطال المسابقات العالمية في ملحمة إيمانية تكرس مكانة قطر كمركز دولي لخدمة كتاب الله. ولذلك يسلط هذا المقال الضوء على نشأة المسابقة وتطورها وأهدافها ومبادئها وفروعها وأنظمتها، وأثرها على المستويين المحلي والدولي.

النشأة والتطور التاريخي: من مبادرة محلية إلى صرح دولي

 

مسابقة الشيخ جاسم للقرآن الكريم: منارة عالمية في حفظ كتاب الله وتدبره
مسابقة الشيخ جاسم للقرآن الكريم

ولدت مسابقة الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني للقرآن الكريم من رحم إيمان قوي بدور القرآن في تشكيل الشخصية المسلمة وبناء المجتمع. ولكن انطلقت المسابقة قبل نحو ثلاثة عقود وتحديداً في العام 1414هـ الموافق 1993م تحت مظلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر . ولذلك حملت المسابقة اسم الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني -رحمه الله- مؤسس دولة قطر تقديراً لإرثه الوطني ورمزاً لارتباط هوية الدولة بالقرآن الكريم.

 

بلغت عملية التطور ذروتها مع إطلاق الفرع الدولي للمسابقة “أول الأوائل” الذي مثل نقلة نوعية في مفهوم المسابقة ورسالتها. لم يعد الهدف مقتصراً على التنافس المحلي بل امتد ليشمل خيرة حفظة القرآن من جميع أنحاء العالم ممن حصلوا على المراكز الأولى في المسابقات الدولية في بلدانهم . ولكن تقام هذه المسابقة الدولية كل ثلاث سنوات وقد انطلقت أولى دوراتها في عام 2016 لتعود بعد توقف بسبب جائحة كوفيد-19 في نسختها الثانية في نوفمبر 2023 . ولذلك يعكس هذا التطور الرؤية الاستراتيجية للجنة المنظمة في تحويل المسابقة إلى منصة عالمية تجمع “نخبة النخبة” من حفاظ القرآن الكريم.

أقرى أيضاً: جاسم الجزاع ويكيبيديا: مفكر كويتي يجمع بين الإدارة والتاريخ

الأهداف والمبادئ التوجيهية: الأسس الفكرية والروحية للمسابقة

 

تقوم مسابقة الشيخ جاسم للقرآن الكريم على مجموعة من الأهداف الاستراتيجية والمبادئ التوجيهية التي تشكل هويتها وتميزها عن غيرها من المسابقات القرآنية. ولكن يمكن إيجاز هذه الأهداف في النقاط التالية:

 

  • · إحياء روح التنافس الشريف: تسعى المسابقة إلى إحياء روح التنافس الإيجابي في الخير among الناشئة والشباب، وتحفيز هممهم نحو حفظ كتاب الله تعالى وفهم معانيه . فالتنافس على حفظ القرآن وفهمه يعد من أسمى أنواع التنافس، إذ يعود بالنفع على الفرد والمجتمع.
  • · الارتقاء بالهمم والعزائم: تهدف المسابقة إلى رفع مستوى الحفظ والإتقان بين المشاركين، من خلال وضع معايير عالية الدقة للتقييم، والاستعانة بلجان تحكيم متخصصة تضم أبرز علماء القراءات والتجويد في العالم .
  • · ربط الأجيال الناشئة بالقرآن: تمثل المسابقة وسيلة عملية لربط الشباب والناشئين بالقرآن الكريم، وجعله محوراً رئيسياً في حياتهم، مما يسهم في تحصينهم من الانحرافات الفكرية والسلوكية.
  • · تعزيز قيم التدبر والتأمل: لم يعد الهدف مقصوراً على الحفظ فقط، بل امتد ليشمل فهم المعاني وتدبر الدروس والعبر من الآيات الكريمة. ويتجلى هذا جلياً في إطلاق فرع “ويتفكرون” الذي يركز على التفكر في آيات الله وتدبر أثرها في تزكية النفس وحسن الخلق .
  • · بناء الشخصية القرآنية المتكاملة: تؤمن المسابقة بأن الحاصل على المراتب الأولى هو “حامل لرسالة القرآن”، وبالتالي يجب أن يكون قدوة في الأخلاق والسلوك. كما عبر الفائز بلقب “أول الأوائل” في نسخة 2023 محمد سعد عبد الجليل حين قال: “هذا الفوز يعد حملاً ثقيلاً… فمن المفترض أن يكون الإنسان الأول حتى في الأخلاق” .

 

الفروع والآليات: البنية التنظيمية للمسابقة

 

تمتلك مسابقة الشيخ جاسم للقرآن الكريم بنية تنظيمية متطورة. ولذلك تشمل مجموعة متنوعة من الفروع المصممة خصيصاً لاستيعاب مختلف الفئات العمرية والميول والقدرات. ولكن يتم تحديث هذه الفروع وتطويرها بشكل مستمر لمواكبة الاحتياجات المعاصرة.

 

الفروع التقليدية والتخصصية

 

  • · فرع البراعم: مخصص للأطفال الصغار (ذكوراً وإناثاً)، ويهدف إلى غرس حب القرآن في نفوس الناشئة منذ الصغر. ولذلك قد أعلنت اللجنة المنظمة عن فتح باب التسجيل للدورة الثلاثين (1446هـ – 2025م) في هذا الفرع .
  • · فرع الفئات: يشمل عدة مستويات حسب العمر ومقدار الحفظ، مثل فئة الناشئين، والشباب، والكبار.
  • · فرع القرآن كاملاً: وهو الفرع الأساسي الذي انطلقت منه المسابقة، ويتطلب حفظ القرآن الكريم كاملاً مع إتقان أحكام التلاوة والتجويد .
  • · فرع أول الأوائل (الدولي): هو الفرع الأكثر تميزاً، ويقام كل ثلاث سنوات، ويشارك فيه فقط الحفاظ الذين حصلوا على المركز الأول في المسابقات القرآنية الرسمية في دولهم. بلغ عدد المشاركين في نسخة 2023 حوالي 80 متسابقاً من مختلف أنحاء العالم .

 

جدول يوضح مراحل التصفيات في فرع “أول الأوائل” الدولي (نسخة 2023):

 

المرحلة عدد المتسابقين طبيعة الاختبار عدد المتأهلين

مرحلة التصفيات 80 متسابقاً 3 أسئلة في القرآن + 3 أسئلة في معاني الكلمات 40 متسابقاً

  1. المرحلة الأولى (علنية) 40 متسابقاً 7 أسئلة في القرآن (بما فيها سؤالان بالوصل) + 12 سؤالاً في معاني الكلمات 10 متسابقين
  2. المرحلة النهائية 10 متسابقين أسئلة تقييمية شاملة للحفظ والتجويد والأداء 1 فائز (أول الأوائل)

 

الفروع الإبداعية الحديثة

 

أظهرت المسابقة مرونة ملحوظة في مواكبة العصر، من خلال إدخال فروع جديدة تعتمد على التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك بهدف جذب شريحة الشباب الموهوبين في المجالات الإبداعية. ومن أبرز هذه الفروع:

 

فرع “ويتفكرون”: أطلق هذا الفرع عبر تطبيق انستجرام، ويشمل فئتين رئيسيتين :

 

  • 1. أجمل تصميم: حيث يختار المتسجل آية أو مجموعة آيات حول قيمة إسلامية، وينفذ تصميمًا يعبر عنها. يشترط أن يكون التصميم من عمله، وخالياً من أي إشارات أو علامات، وأن يكون باللغة العربية أو الإنجليزية.
  • 2. أجمل فيديو: يتطلب إنتاج فيديو قصير (لا تزيد مدته عن 60 ثانية) يعرض قيمة من قيم القرآن بشكل مبتكر وجذاب.

خصصت لهذا الفرع جوائز مالية قيمة تصل إلى 12,000 ريال قطري للمركز الأول في فئة الفيديو، و11,000 ريال للتصميم . ولكن تعكس هذه المسابقات رؤية اللجنة المنظمة في تشجيع التدبر من خلال قنوات العصر الجذابة.

 

الأثر والمكانة: نتائج المسابقة وتكريم الحفاظ

 

تمكنت مسابقة الشيخ جاسم عبر مسيرتها الطويلة من صناعة أثر عميق على المستويين المحلي والدولي. ولذلك بناء مكانة مرموقة بين نظيراتها من المسابقات القرآنية العالمية.

 

الأثر على المستوى المحلي

 

على مستوى دولة قطر، استطاعت المسابقة أن تكون رافداً أساسياً لاكتشاف المواهب القرآنية الشابة وتنميتها. ولذلك لقد ساهمت في خلق بيئة قرآنية تنافسية صحية داخل المجتمع، وشجعت الآلاف من المواطنين والمقيمين على الالتحاق بحلقات التحفيظ. ولكن كما أن استحداث فروع للبراعم والفئات الخاصة ساهم في بناء جيل جديد من الحفاظ منذ نعومة أظفارهم، مما يضمن استمرارية هذا المشروع القرآنى للأجيال القادمة.

 

الأثر والمكانة الدولية

 

برز الدور الدولي للمسابقة بشكل لافت مع إطلاق فرع “أول الأوائل”، الذي أصبح أحد أصعب المسابقات القرآنية في العالم نظراً لنخبويتها الشديدة . ولذلك إن جمع أبطال المسابقات من مختلف البلدان والثقافات في مكان واحد (الدوحة) تحتضنه لجان تحكيم دولية عليا. ولكن يرسخ مكانة قطر كـ عاصمة للثقافة القرآنية العالمية ومركز لإشعاع الإسلام المعتدل.

 

يقول رئيس لجنة التحكيم الدولية العليا لمسابقة أول الأوائل، شيخ عموم المقارئ المصرية السابق أحمد عيسى المعصراوي: “إن مسابقة أول الأوائل تعد مسابقة فريدة ومتميزة بنوعية المتسابقين فيها… والرسالة التي تبعثها تلك المسابقة للعالم الإسلامي أن الأمة تحيا بالقرآن وحفظته” .

 

التكريم المادي والمكانة المعنوية

 

تقديراً للجهود الجبارة التي يبذلها الحفاظ، خصصت المسابقة جوائز مالية كبيرة تحفيزاً للمشاركين وتكريماً لهم. تبلغ قيمة جائزة المركز الأول في فرع “أول الأوائل” مليون ريال قطري (حوالي 275 ألف دولار أمريكي) . ولذلك أما في الفروع الأخرى مثل “ويتفكرون”، فتصل الجوائز إلى 12 ألف ريال . إلا أن القيمة المعنوية للفوز والتتويج بلقب “أول الأوائل” أو حتى مجرد التأهل للمراحل النهائية، تفوق بأهميتها أي مكافأة مادية. ولكن فالفائز يحمل معه شرفاً ومسؤولية كبيرة في أن يكون سفراً لكتاب الله وداعية بأخلاقه.

شاهد أيضاً: جاسم اشكناني ويكيبيديا: الإعلامي الكويتي ومدير دار بلاتينيوم بوك للنشر

التحديات والتطلعات المستقبلية: استشراف آفاق جديدة

 

رغم النجاحات الكبيرة التي حققتها المسابقة إلا أنها تواجه جملة من التحديات في مسيرتها نحو المستقبل. يأتي في مقدمتها التحدي المتمثل في الحفاظ على المستوى الراقي للمسابقة وسط تنامي عدد المسابقات الدولية الأخرى. ولذلك كما أن تحدي مواكبة التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الحديثة يفرض نفسه باستمرار لضمان استمرار جذب الأجيال الجديدة.

 

في المقابل، فإن التطلعات المستقبلية للمسابقة تبدو واسعة وطموحة. يمكن للمسابقة أن تستحدث فروعاً جديدة تركز على علوم القرآن، أو التفسير الموضوعي أو القراءات العشر لتغطية جوانب أعمق من التعامل مع القرآن الكريم. كما أن توسيع نطاق المشاركة في الفروع الإلكترونية مثل “ويتفكرون” ليشتبار مشاركات من خارج قطر يمكن أن يكون خطوة مهمة نحو تعزيز البعد الدولي. وأخيراً يمكن العمل على توثيق ونشر تجارب الفائزين ومسيرتهم بشكل أوسع، ليكونوا نماذج ملهمة للشباب في جميع أنحاء العالم.

 

الخاتمة

 

في الختام، تمثل مسابقة الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني للقرآن الكريم نموذجاً رائداً للمسابقات القرآنية المتكاملة التي نجحت في الجمع بين الأصالة والمعاصرة وبين المحلية والعالمية. ولكن تحولت من مبادرة محلية متواضعة إلى منارة دولية تستقطب أفضل حفظة كتاب الله في العالم. لم تكتفِ المسابقة بتشجيع الحفظ والتلاوة فحسب. ولذلك بل تعدت ذلك إلى ترسيخ ثقافة التدبر والتأمل في معاني القرآن والاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي لنشر قيمه الخالدة.

تعرف أيضاً على: أسماء الفائزين في مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم 1447–2025

الخبر السعودي

الخبر السعودي فريق تحرير متخصص في تغطية الأخبار السعودية والعربية والرياضية والمنوعات، ويقدم محتوى إخباريًا موثوقًا ومتجددًا وفق معايير الصحافة الرقمية وتحسين محركات البحث (SEO).
زر الذهاب إلى الأعلى